مع اقتراب نهاية عام 2025، لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بـ “صوماليلاند” مجرد خطوة دبلوماسية رمزية، بل شكّل انعطافةاستراتيجية حقيقية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية خارج حدود الدائرة التقليدية. هذا التحرك يعكس انتقال اسرائيل من منطق“الدفاع عن الموانئ” إلى استراتيجية أوسع للتحكم في الممرات المائية الحيوية، حيث تتبوأ أرض الصومال موقعا مركزيا يجعلها بوابة للبحر الأحمر وخليج عدن، أو ما يمكن تسميته بـ “الزاوية الميتة” الاستراتيجية.
إسرائيل في هذه المرحلة، تبدو وهي تبني درعا بحريا متقدما يمتد من إيلات على البحر الأحمر إلى بربرة على الساحل الصومالي، مستهدفة تأمين خطوط التجارة العالمية وتحييد النفوذ الإيراني المتنامي في الممرات البحرية. من منظور الجيوبوليتيك، يعتبر ميناء بربرة ليس مجرد نقطة لوجستية، بل منصة استراتيجية تمكن إسرائيل من التمركز المتقدم دون مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية التقليدية. كما يتحول الميناء إلى منصة مراقبة استخبارية متقدمة، قائمة على نظم الذكاء الاصطناعي للملاحة والتتبع البحري، مايعزز قدرة إسرائيل على قراءة وتحليل تحركات القوى البحرية الأخرى قبل أن تتحرك فعليا.
على المستوى الاستراتيجي، يشكل هذا التموضع راداراًجيوسياسياً يغطي بحر العرب ومضيق باب المندب، ويحد من قدرة المنافسين الإقليميين والدوليين على المناورة في بيئة بحرية رمادية، ما يعيد تعريف مفهوم الأمن البحري الإقليمي. مع ذلك، فإن هذه المبادرة تواجه تحديات حقيقية:
خلال العقد المقبل (2026–2035)، من المتوقع أن تتسارع الديناميات بين التكنولوجيا البحرية والأمن الإقليمي، حيث ستسعى إسرائيل الى توظيف قدراتها في المراقبة الذكية والذكاء الاصطناعي لفرض واقع أمني جديد على القوى الكبرى. هذا التموضع لا يمثل تهديداً للقوى الإقليمية فقط، بل يجبر الفاعلين المحليين والدوليين على إعادة صياغة استراتيجياتهم للأمن القومي العربي والإفريقي. أي ضعف أو تراجع في الدور التقليدي للجهات المحلية سيؤدي مباشرة إلى تمدد إسرائيلي مدعوم بشراكات اقتصادية وعسكرية مع كيانات صاعدة في القرن الإفريقي.
نجاح إسرائيل في تحويل الاعتراف السياسي الى نفوذ بنيوي يعتمد على قدرتها على إدارة “المنطقة الرمادية” بين الضرورة الأمنية والقبول الإقليمي، وهو ما يُعرف بـ “عقيدة بربرة”. هذه العقيدة ليست مجرد موطئ قدم تكتيكي، بل محاولة إسرائيلية لإعادة ضبط بوصلة القوة في الجنوب، وتحويل القرن الإفريقي الى ساحة رئيسية لتشكيل النظام العالمي الجديد وموازين القوى في الشرق الأوسط الموسع. فهم هذه الديناميات يتطلب دمج الجيوبوليتيك البحري، الأمن السيبراني البحري، والاستشراف الاستخباري لمواجهة التحديات القادمة بفعالية.
ختاما، تُظهر التحولات الأخيرة في القرن الإفريقي أن الأمن البحري لم يعد مجرد وظيفة دفاعية تقليدية، بل أصبح أداة هجينة للتحكم في الممرات المائية الحيوية ووسيلة لإعادة هندسة النفوذ الجيوسياسي. العقيدة الإسرائيلية، القائمة على منصات مراقبة متقدمة، الذكاء الاصطناعي، والتعاون مع الفاعلين المحليين والدوليين، تمثل نموذجا لكيفية تحويل الاعتراف السياسي الى قوة بنيوية على الأرض.
يشير هذا التمركز الى ولادة “المنطقة الرمادية” البحرية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية، التقنية، والاستخبارية مع الديناميات الإقليمية المعقدة، ما يجعل مواجهة إسرائيل المباشرة محفوفة بالمخاطر ويعقد استراتيجيات الرد التقليدية. بالتالي، يُطالب صناع القرار العرب والإفريقيين بتطوير نموذج أمني متكامل يجمع بين الأمن البحري التقليدي، القدرات السيبرانية البحرية، والتنسيق الإقليمي لتعطيل محاولات الهيمنة الأجنبية على الممرات الحيوية.
في ضوء ذلك، يمكن اعتبار القرن الإفريقي ساحة اختبار لاستراتيجيات القوة المستقبلية، حيث سيحدد التفاعل بين المبادرات الإسرائيلية، القدرات المحلية، والتنافس الدولي شكل الأمن البحري في المنطقة لعقود مقبلة. إن الفهم الدقيق لهذه الديناميات، والاستعداد لمواجهة التحديات الهجينة والتكنولوجية، سيشكل العامل الحاسم للحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية للمنطقة ومنع تحوّلها الى نقطة ارتكاز لقوى خارجية تتحكم بعصب الاقتصاد العالمي عن بعد.
م.م.أنغام عادل حبيب
كلية العلوم السياسية / جامعة النهرين





