يشهد الصراع في العصر الرقمي تحولًا يجعل إدراك الإنسان نفسه جزءًا أساسيًا من المعركة. فلم يعد التركيز فقط على السيطرة على الأرض، بل على التحكم في المعنى وكيف يفهم الناس ما يحدث. في الفضاء السيبراني، لا تُستهدف المواقع وحدها، بل الصورة التي تتكوّن عنها في أذهان الجمهور. كما لا تُغيَّر الوقائع فقط، بل تُعاد صياغة الروايات التي تعطيها معناها. وهكذا، انتقل الصراع من ميدان الجغرافيا إلى ميدان التفسير، حيث أصبحت المعلومة وسيلة لصنع الواقع في الوعي، لا مجرد نقله.
بالعودة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، تجلّت هذه الدينامية بوضوح لافت، إذ لم تقتصر المواجهة على العمليات العسكرية، بل امتدت إلى معركة موازية على تعريف ما جرى. تنافست السرديات على توصيف الضربات والضحايا، وعلى تأطير الحدث ضمن مفاهيم متباينة، بين من قدّم ما حدث بوصفه دفاعًا مشروعًا، ومن رآه استهدافًا ممنهجًا للمدنيين. كل صورة خرجت من الميدان، وكل مقطع فيديو تم تداوله، دخل فورًا في دائرة إعادة التفسير، حيث جرى توظيفه ضمن روايات متعارضة تسعى كل منها إلى تثبيت معناها في وعي الجمهور. حتى الأرقام المتعلقة بالخسائر والدمار لم تُقرأ بوصفها معطيات ثابتة، بل خضعت لعمليات تشكيك وإعادة تأويل، بما يعكس موقع كل طرف داخل هذا الصراع الإدراكي.
وإذا ما أُدرجت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتغريداته ضمن هذا المشهد، فإنها تكشف بوضوح كيف يمكن لفاعل سياسي واحد أن يتحول إلى مُضخِّم مركزي في حرب الإدراك. فتصريحاته الصحفية والإعلامية ليستمجرد تعبير عن موقف، بل أداة لإعادة تأطير الأحداث في الزمن الحقيقي، عبر لغة مباشرة قادرة على جذب الانتباه وتوجيهه. تغريدة واحدة كانت كفيلة بإعادة ترتيب أولويات النقاش العام، أو بإضفاء شرعية على سردية بعينها، أو حتى بإرباك المشهد عبر إدخال توصيف جديد للحدث. هذا النمط من التواصل السياسي، الذي يتجاوز القنوات التقليدية، يجعل من المنصات الرقمية مسرحًا مفتوحًا تتقاطع فيه السلطة السياسية مع ديناميات الخوارزميات، بحيث تتضاعف قابلية الرسالة للانتشار والتأثير.
فالتصريحات السياسية لم تعد مجرد انعكاس للموقف الرسمي، بل أصبحت جزءًا من بنية الصراع ذاتها، تُستخدم لإنتاج أثر إدراكي يتجاوز حدود الحدث. فعندما تصدر مواقف حادة أو توصيفات قاطعة، فإنها لا تخاطب الجمهور المحلي فقط، بل تدخل في دورة تداول عالمية، حيث تُعاد قراءتها وتفسيرها ضمن سياقات مختلفة، وقد تُستخدم من قبل أطراف متباينة لتعزيز رواياتها الخاصة. وهكذا، تتحول الكلمة إلى أداة استراتيجية، لا تقل في تأثيرها عن أي فعل ميداني.
في كلا السياقين، تؤدي الخوارزميات دورًا حاسمًا في ترجيح كفة رواية على أخرى، من خلال تعزيز محتوى معين وإخفاء آخر، بناءً على تفاعلات المستخدمين وأنماط الاستهلاك الرقمي. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، اتسع نطاق التأثير ليشمل إنتاج محتوى قادر على محاكاة الواقع بدرجة عالية، الأمر الذي زاد من تعقيد البيئة الإدراكية، وجعل التمييز بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة.
وعليه فإن الهدف ليس فرض رواية واحدة بقدر ما هو إغراق المجال العام بسرديات متعارضة تُضعف القدرة على الحكم. ومع تآكل الثقة في مصادر المعلومات، تحوّل الشك إلى أداة بحد ذاته، استُخدمت لإرباك الإدراك وإعادة توجيهه. وهكذا، اتخذ الصراع طابعًا أكثر تعقيدًا، حيث أصبح التشويش المعرفي بديلاً عن الإقناع المباشر، وغدا إضعاف اليقين هدفًا استراتيجيًا قائمًا بذاته.
بهذا المعنى، تبلور الفضاء السيبراني كمجال سيادي تتقاطع فيه القوة التقنية مع القدرة على التأثير الإدراكي. تقاس قوة الدول بقدرتها على حماية بنيتها الرقمية، وعلى صون المجال المعرفي لمجتمعاتها، وعلى إنتاج سرديات قادرة على الصمود أمام محاولات التشويه وإعادة التفسير. وبهذه البيئة يتقدم سؤال الإدراك ليغدو في صلب التحليل: من يحدد كيف يُفهم ما يجرى، يمتلك في جوهر الأمر قدرة تتجاوز مجرد التأثير، لتلامس إعادة تشكيل الواقع ذاته.





