تشكل كابلات الألياف الضوئية البنية الأساسية للإنترنت العالمي، إذ تنقل البيانات والاتصالات الرقمية بين الدول والقارات مثلما تنقل العَصَبونات الإشارات الكهربائية والكيميائية (المعلومات) بين أنحاء الجسم. فالكابلات البحرية الممتدة عبر قيعان البحار والمحيطات تربط القارات ببعضها، بينما تنقل الكابلات البرية البيانات من محطات الإنزال إلى مراكز البيانات وشبكات الاتصالات داخل الدول وعبر الحدود.
ومع توسع الاقتصاد الرقمي والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الكابلات جزءا حيويا من عمل الحكومات والأسواق المالية، وقطاعات الاتصالات والطاقة والنقل. كما اكتسبت أهمية جيوسياسية كبيرة، خاصة في مناطق العبور الاستراتيجية مثل البحر الأحمر وقناة السويسومضيق هرمز، التي تمر عبرها مسارات رئيسية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
وحذر تقرير مشترك أصدره الاتحاد الدولي للاتصالات (آي تي يو) بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث ومعهد العلوم السياسية في باريس في مطلع مايو/أيار 2026، من تزايد هشاشة البنية الرقمية العالمية، مشيرا إلى أن أي أعطال تقنية أو هجمات سيبرانية أو اضطرابات جيوسياسية، قد تؤدي إلى تعطيل واسع في تدفقات البيانات الدولية، بما قد ينعكس على الاقتصاد والخدمات الحيوية حول العالم، وهو ما دفع خبراء إلى التحذير من وقوع ما أسموه “جائحة رقمية” واسعة التأثير.
وأثارت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 قلقا كبيرا من احتمالية تعطل الكابلات البحرية التي تربط جنوب شرق آسيا والهند بدول الخليج وأوروبا، عبر مضيق هرمز الذي يمر فيه ما لا يقل عن 7 كابلات إنترنت رئيسية، أبرزها: كابل آسيا أفريقيا أوروبا واحد، وشبكة فالكون، وكابل غالف بريدج إنترناشيونال.
وتكمن الخطورة في جوانب عدة: فمن جهة هي عرضة للألغام البحرية والاستهداف المباشر، إذ لوّحت إيران من قبل باستهداف البنية التكنولوجية “للدول المعادية” في حال المساس ببنيتها، كما روّجت الصحافة الإيرانية لفرض رسوم على الكابلات البحرية التي تمرّ عبر المضيق بحجة سيادتها على هذا الممر المائي.
ومن جهة أخرى، فهي عرضة لمخاطر التكدس بسبب تركزها في الجانب العُماني من المضيق بسبب العقوبات المفروضة على إيران، مما يعني أن أي حادث عرضي -كأن تعلق بها مرساة سفينة أو ينفجر قربها لغم بحري- يمكن أن يتسبب باضطراب واسع النطاق يتجاوز الحدث نفسه. وقد كان حادث البحر الأحمر في سبتمبر/أيلول 2024 مثالا واضحا على ذلك، حين أدى انقطاع كابلات نتيجة انجراف سفينة إلى تعطيل نحو 17% من حركة الإنترنت العالمية.
تُعد الكابلات البحرية العمود الفقري للإنترنت العالمي، إذ تمر عبرها أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية العابرة للقارات.
وهي كابلات ألياف ضوئية تمتد في قاع البحار والمحيطات لربط الدول وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات ضمن شبكة عالمية تضم نحو 600 كابل بحري يتجاوز طولها الإجمالي مليون و480 ألف كيلومتر (920 ألف ميل) حول العالم.
وقد استخدمت هذه الكابلات منذ القرن التاسع عشر مع تشغيل أول كابل تلغرافي عابر للمحيط الأطلسي عام 1858، قبل أن تحل كابلات الألياف الضوئية الحديثة تدريجيا محل الكابلات النحاسية التقليدية بفضل قدرتها العالية على نقل البيانات بسرعات كبيرة ولمسافات طويلة.
وتعتمد الكابلات البحرية على نقل البيانات عبر نبضات ضوئية باستخدام تقنيات ليزر عالية السرعة، وترتبط بمحطات إنزال ساحلية تنقل البيانات إلى الشبكات الأرضية داخل الدول. كما تُستخدم على امتدادها مضخمات للإشارة الضوئية للحفاظ على جودة الاتصال عبر المسافات الطويلة، فيما تُحاط بطبقات متعددة من العزل والحماية لمقاومة الضغط والتآكل والعوامل البيئية في أعماق البحار.
ومع تحول الاقتصاد العالمي نحو الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، أصبحت الكابلات البحرية جزءا من البنية التحتية الاستراتيجية للعالم، وهو ما منحها أهمية جيوسياسية، خاصة في مناطق العبور البحرية الحساسة والممرات الدولية الكبرى.




