دخلت المؤسسات في الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إدارة المخاطر الرقمية، لم تعد فيها سيادة البيانات وحدها كافية لضمان استمرارية الخدمات، مع تصاعد التحديات التي تجمع بين الهجمات السيبرانية، وتعطل البنية التحتية، وانقطاع الكهرباء، واضطرابات شبكات الاتصال، في وقت أصبحت فيه الخدمات الرقمية أكثر ترابطاً واعتماداً على منظومات تقنية معقدة.
ويرى طارق أجمل، الشريك وقائد الأمن السيبراني في ديلويت الشرق الأوسط، أن المنطقة انتقلت إلى ما يمكن وصفه بعصر “الأزمات التقنية المركبة”، حيث لم يعد الخطر ناتجاً عن حادث منفرد، وإنما عن تزامن عدة أحداث تؤثر في البنية الرقمية في الوقت نفسه، وهو ما يفرض على المؤسسات إعادة النظر في مفهوم المرونة التقنية وآليات استمرارية الأعمال.
سيادة البيانات لم تعد كافية
شهدت السنوات الماضية استثمارات كبيرة في إنشاء مراكز بيانات محلية وتوطين المعلومات داخل الدول، خاصة في القطاعات المصرفية والصحية والطاقة والخدمات الحكومية، بهدف الامتثال للأنظمة وتعزيز حماية البيانات.
ورغم أهمية هذا التوجه، يؤكد أجمل أن الاحتفاظ بالبيانات داخل الدولة لا يضمن استمرار الخدمات عند تعرض مراكز البيانات أو شبكات الكهرباء أو مزودي الخدمات السحابية أو الاتصالات لأعطال واسعة أو هجمات سيبرانية، وهو ما يجعل استمرارية التشغيل تحدياً يتجاوز مجرد تحديد موقع البيانات.
استمرارية الأعمال أولوية جديدة
أصبحت المؤسسات مطالبة بتطوير نماذج تشغيل قادرة على مواصلة تقديم الخدمات حتى في حال تعطل جزء من بنيتها التقنية، من خلال إنشاء بيئات هجينة تجمع بين مراكز البيانات المحلية ونسخ احتياطية مشفرة في مواقع إقليمية أو بعيدة مخصصة للتعافي من الكوارث.
ولا يعتمد هذا النهج على نقل جميع البيانات إلى الخارج، وإنما على تصنيفها بحسب حساسيتها وأهميتها التشغيلية، بحيث تبقى البيانات الخاضعة للمتطلبات التنظيمية داخل الدولة، بينما يمكن تكرار بعض الأنظمة والخدمات في مواقع أخرى لضمان سرعة استعادة الأعمال.
الأزمات أصبحت مترابطة
يشير أجمل إلى أن المؤسسات لم تعد تواجه مخاطر منفصلة، إذ يمكن لانقطاع الكهرباء أو تعطل شبكة اتصالات أو حادث مادي أن يتحول خلال دقائق إلى أزمة رقمية تؤثر في الخدمات المصرفية والمنصات الحكومية والقطاع الصحي وسلاسل الإمداد.
ولهذا لم يعد من الممكن إدارة مراكز البيانات، والسحابة، والأمن السيبراني، والاتصالات، باعتبارها ملفات مستقلة، وإنما باعتبارها منظومة مترابطة يجب التخطيط لها بصورة متكاملة.
ويرى أن خطط التعافي التقليدية التي تفترض تعطل عنصر واحد لم تعد كافية، مع تزايد احتمالات وقوع أكثر من أزمة في الوقت نفسه.
النسخ الاحتياطي وحده لا يكفي
لفت أجمل إلى أن كثيراً من المؤسسات تعتمد على مواقع احتياطية قريبة جغرافياً من مراكز البيانات الرئيسية، أو تستخدم البنية نفسها للكهرباء والاتصالات، وهو ما يقلل من فعالية خطط التعافي عند وقوع كوارث واسعة.
وأوضح أن وجود نسخة احتياطية داخل نطاق الخطر نفسه لا يحقق مرونة حقيقية، إذ قد تتأثر جميع المواقع بالحادث ذاته.
ولهذا تتجه المؤسسات إلى تنويع مواقع التعافي جغرافياً وتقنياً، مع توزيع الخدمات بين أكثر من مزود وأكثر من بيئة تشغيل لضمان استمرار الأعمال.
تصنيف الأنظمة حسب أهميتها
يعتمد نموذج المرونة الحديث على تقسيم الأنظمة التقنية إلى مستويات مختلفة وفق أثرها على الأعمال.
وتشمل الفئة الأولى الأنظمة والبيانات التي يجب أن تبقى داخل الدولة بسبب طبيعتها التنظيمية، بينما تضم الفئة الثانية التطبيقات التي يمكن تكرارها إقليمياً لتحقيق توازن بين الكفاءة والمرونة.
أما الفئة الثالثة فتشمل الأنظمة الحيوية التي تحتاج إلى أعلى مستويات الاستمرارية وخيارات تعافٍ بعيدة جغرافياً، بما يضمن استمرارها حتى في حالات الأزمات الكبرى.
السحابة المتعددة أصبحت ضرورة
تحولت استراتيجيات السحابة المتعددة والهجينة من خيار تقني لتحسين الكفاءة إلى عنصر أساسي في استمرارية الأعمال.
فالاعتماد على مزود سحابي واحد أو مركز بيانات واحد يزيد من احتمالات تعطل الخدمات عند وقوع أي خلل واسع، في حين يتيح توزيع الأنظمة بين بيئات تشغيل مختلفة نقل الخدمات أو إعادة تشغيلها بسرعة عند الحاجة.
ويتطلب هذا النموذج وجود حوكمة موحدة للبيانات والهويات الرقمية وإجراءات الأمن السيبراني لضمان عمل جميع البيئات بصورة متكاملة.
تكامل الأمن المادي والسيبراني
لم يعد الأمن السيبراني يقتصر على حماية الشبكات والأنظمة، إذ أصبحت حماية مراكز البيانات والمرافق المادية جزءاً من منظومة الدفاع الرقمي.
فقد يؤدي وصول غير مصرح به إلى خادم، أو استخدام وسيط تخزين مشبوه، أو اختراق أنظمة الدخول، إلى أزمة سيبرانية واسعة إذا لم تكن جميع أنظمة المراقبة مترابطة.
ولهذا تتجه المؤسسات إلى دمج بيانات الأمن المادي مع أنظمة الأمن السيبراني، وربط سجلات الدخول بحركة الشبكات وسلوك المستخدمين، بما يسمح بالكشف المبكر عن أي تهديد والاستجابة له بصورة أسرع.
اختبارات التعافي تكشف نقاط الضعف
يشدد أجمل على أن امتلاك خطة مكتوبة للتعافي لا يعني بالضرورة نجاحها عند وقوع أزمة حقيقية، إذ إن كثيراً من المؤسسات لا تختبر خططها في ظروف تحاكي الواقع.
وتشمل هذه الاختبارات سيناريوهات تعطل أكثر من نظام في الوقت نفسه، وتأخر الموردين، وارتفاع الضغط على مواقع التعافي، وغياب بعض المسؤولين، بما يساعد على اكتشاف نقاط الضعف قبل حدوث الأزمات الفعلية.
كما يؤكد أهمية فهم مجالس الإدارات لمؤشرات التعافي، مثل زمن استعادة الخدمة، وحجم البيانات التي يمكن خسارتها، وتأثير كل ذلك على استمرارية الأعمال.
الذكاء الاصطناعي يعزز المرونة
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد الأدوات المهمة في دعم استمرارية الأعمال، من خلال تحليل البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، والتنبؤ بالأعطال، وتسريع الاستجابة للحوادث.
إلا أن أجمل يحذر من الاعتماد الكامل على الأنظمة الذكية، نظراً لاحتمال تعرضها لتحيزات أو محاولات تضليل أو هجمات تستهدف بيانات التدريب.
ولهذا يظل القرار البشري عنصراً أساسياً في إدارة الأنظمة الحساسة، مع توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة لتحسين سرعة ودقة الاستجابة.
المرونة أصبحت ميزة تنافسية
يتوقع أجمل أن تشهد السنوات المقبلة اتساع الفجوة بين المؤسسات التي تنظر إلى المرونة التقنية باعتبارها متطلباً تنظيمياً فقط، وتلك التي تتعامل معها باعتبارها أحد الأصول الاستراتيجية.
فالمؤسسات التي تنوع بنيتها التقنية، وتختبر خطط التعافي بصورة مستمرة، وتدمج الأمن المادي والسيبراني، ستكون أكثر قدرة على مواصلة أعمالها أثناء الأزمات، والحفاظ على ثقة العملاء واستقرار الإيرادات.
ومع تزايد الاعتماد على الاقتصاد الرقمي، لم تعد المرونة مسؤولية أقسام تقنية المعلومات وحدها، وإنما أصبحت عنصراً رئيسياً في استدامة الأعمال وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات.




