في عصر يتراجع فيه ضجيج المدافع أمام وقع نقرات لوحة المفاتيح، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة الصراع الجديدة بين الدول. ومع تصاعد التوترات السياسية بين الهند وباكستان، انفجرت جبهة جديدة لا تُرى بالعين المجردة: جبهة الهجمات السيبرانية.
لقد تجاوزت الهجمات السيبرانية في حجمها وتأثيرها كثيرًا من العمليات العسكرية التقليدية، وباتت تنفَّذ غالبًا عبر مجموعات من القراصنة المدعومين من الدول دون إعلان رسمي. وتحولت هذه الهجمات إلى أداة رئيسية في النزاعات الجيوسياسية الحديثة، لا سيما في النزاع المتجدد بين نيودلهي وإسلام آباد.
مسرح المواجهة: البيئة السيبرانية بين الهند وباكستان
تتمتع كل من الهند وباكستان بتركيبة سكانية تكنولوجية مميزة، حيث تضم الدولتان أعدادًا كبيرة من الكفاءات العاملة في مجالات التقنية والأمن السيبراني. هذا الواقع ساعد في بروز مجموعات اختراق محلية مدعومة ضمنيًا من الحكومات.
وتشير بيانات شركة CloudSEK إلى أن الهند كانت ثاني أكثر الدول تعرضًا للهجمات السيبرانية عام 2024، إذ استهدفت الهجمات أكثر من 95 مؤسسة وهيئة داخل البلاد، بينما تتوقع تقارير محلية أن تواجه الهند تريليون هجوم سيبراني بحلول 2033.
أما باكستان، فلم تكن بمنأى عن التصعيد، حيث أظهرت بيانات شركة Kaspersky ارتفاعًا في الهجمات على القطاع المالي بنسبة تجاوزت 114% عام 2024. وازدادت وتيرة الهجمات مع تصاعد التوترات في إقليم كشمير، ما أدّى إلى انخراط فرق قرصنة باكستانية في موجة هجمات مركزة ضد أهداف هندية.
الهند تهاجم عالميًا: من كندا إلى البحر المتوسط
لم تقتصر الهجمات الهندية على باكستان فحسب، إذ امتدت لتشمل أهدافًا في مناطق بعيدة مثل كندا بعد مقتل الناشط هارديب سينغ نجار، وحتى منشآت في البحر المتوسط. وتبرز في هذا السياق مجموعات مثل “SideWinder” و”Dark Basin” و”Dropping Elephant” كأذرع للهجمات السيبرانية الهندية حول العالم.
هذه الفرق لا تقتصر على شن الهجمات، بل تتنوع أدواتها بين هجمات التصيد، وتطبيقات خبيثة، ومستندات مصابة، مستهدفة بنى تحتية حكومية ومواقع عسكرية وشخصيات سياسية.
الرد الباكستاني: APT36 والاختراق من الداخل
في المقابل، تعتمد باكستان على فرق من أبرزها “Transparent Tribe” أو ما يعرف بـAPT36، والتي نفذت هجمات استهدفت شخصيات هندية رسمية باستخدام برمجيات خبيثة معروفة بـRATs. وتفيد تقارير بوجود تعاون غير مباشر بين هذه الفرق ونظيراتها الروسية، مثل فريق “تورلا”، لتوسيع نطاق الاختراق إلى دول الجوار، خاصة أفغانستان والهند.
اندلاع الحرب السيبرانية 2025: بداية مرحلة جديدة
في أعقاب التوترات الأخيرة بإقليم كشمير، أعلنت الهند إحباط ما يقرب من مليون هجوم سيبراني خلال أيام، بحسب “The Indian Express”، بعضها انطلق من باكستان ودول مجاورة مثل المغرب وإندونيسيا.
وفيما لم تُوجه الهند اتهامات مباشرة، فإن التقارير تشير إلى تصعيد مضاد استهدف منشآت حساسة في باكستان، من بينها المحكمة العليا في كشمير، وجامعة بلوشستان، ومؤسسات حكومية واقتصادية.
صراع بلا حسم: من يربح هذه الحرب؟
يبقى من الصعب ترجيح كفة الانتصار في هذه الحرب الخفية. فالهند تمتلك بنية سيبرانية هجومية أكثر تطورًا، بينما تبدو باكستان أكثر جرأة في شن الهجمات المباشرة. وتعزز العلاقات غير المعلنة بين فرق القرصنة في روسيا والهند أو باكستان احتمالات تدويل الصراع السيبراني، ما يفتح الباب أمام “حرب باردة” رقمية قد تتجاوز حدود جنوب آسيا.
في ظل كل ذلك، يبدو أن 2025 سيكون عامًا مفصليًا في تطور مفهوم الحرب الحديثة، حيث تُخاض المعارك في الفضاء الرقمي، بلا دخان أو دمار، لكن بنتائج قد تكون أشد فتكًا من الحروب التقليدية





