شكلت الحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022 مختبرا مفتوحا لتجريب أنماط قتالية جديدة تتجاوز النماذج التقليدية للحروب. وقد مثّلت المسيّرات سلاحا ثوريا في المشهد العملياتي، خاصة من جهة الفاعلية المنخفضة التكلفة والقدرة على اختراق الدفاعات العميقة. في هذا السياق، جاءت عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية كنموذج متقدم للهجوم الموزع بواسطة أسراب المسيّرات، لتعيد النظر جذريا في مفهوم “العمق العملياتي” ونظرياته الكلاسيكية، من حيث امتداد ساحة المعركة وتشظي خط الاشتباك الى نطاقات متعددة ومتزامنة.
تعني نظرية العمق العملياتي في الفكر العسكري ان المعركة لا تُكتسب فقط في الخطوط الأمامية، بل في عمق العدو، حيث يتم استهداف مراكزه اللوجستية، القيادية، والبنى التحتية الحيوية. وقد طورت هذه النظرية منذ الحرب العالمية الثانية، لا سيما في المدرسة السوفيتية، لتعزيز مفهوم الضربة العميقة.
في المقابل الهجوم الموزع (Attack Distributed) يمثل تطورا ميدانيا يقوم على تفكيك القوة النارية الى وحدات صغيرة متناثرة، تُنسق فيما بينها عبر شبكات رقمية ومعلوماتية. وهو ما يتيح تحقيق تأثير استراتيجي دون الحاجة لاختراق مباشر وكبير، بل عبر “نقاط ضغط” متزامنة ومتعددة الاتجاهات.
في فجر يوم 1 حزيران 2025، استيقظت موسكو على وقع واحدة من أكثر العمليات تعقيدا وارباكا في عمق أراضيها منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. عملية “شبكة العنكبوت” (Spider Web) لم تكن ضربة عسكرية تقليدية تنفذ من جبهات القتال، بل عملية استخباراتية مركبة من داخل الأراضي الروسية، إذ تم تهريب 117 طائرة مسيرة من طراز FPV داخل هياكل خشبية متنقلة الى العمق الروسي، وتم اطلاقها من مواقع مدنية قريبة من القواعد الجوية المستهدفة، وصلت حتى منطقة ريازان ونوفغورود، على بعد أكثر من 500كم من الجبهة الشرقية:
وكانت النتائج العملياتية متمثلة في خسائر مؤكدة في قواعد جويةاستراتيجية مثل إينغيلز وأوختوبرسكي، تدمير عشرات طائرات النقل العسكرية، وضرب عمق الردع الجوي-النووي الذي تعتمد عليه موسكو.
إن الهجوم الموزع في عملية “شبكة العنكبوت” تجاوز المفهوم الكلاسيكي للعمق، إذ أصبحت الأراضي الروسية بكاملها مجالا عملياتيا مباحا، ولم تعد هناك “مناطق آمنة” خارج خط التماس،فالهجمات السيبرانية المصاحبة والهجمات الجوية غير المأهولة فتحت ثغرات عميقة في أنظمة القيادة والتحكم الروسية. ورغم التكلفة الاقتصادية المباشرة للعملية من الجانب الروسي التي قدرت بمليارات الدولارات، إلا ان الضرر الأكبر للعملية هو المعنوي والسيكولوجي داخل الجيش الروسي واهتزاز الثقة بالقيادة المركزية، ما يعكس كفاءة الهجوم الموزع كأداة ردع هجومي استراتيجي، دون الحاجة الى كثافة بشرية أو نارية تقليدية. وبضرب مراكز التحكم والقيادة، تم تعطيل حلقة الأوامر والرد السريع في عدة قطاعات، وهو جوهر ما تهدف اليه نظريات العمق العملياتي الحديثة: تعطيل قدرة العدو على إعادة التموضع أو الرد المنسق.
عملية “شبكة العنكبوت” تعكس تحولا من نموذج “المعركة الكبرى” الى “ساحات تشظي مركّبة”، حيث:
لقد قدمت عملية “شبكة العنكبوت” لحظة مفصلية في تطور الفكر العملياتي المعاصر، إذ لم تعد المسيرات مجرد أدوات تكتيكية بل أدوات استراتيجية قادرة على فرض كلفة سياسية وأمنية على الخصم في عمقه السيادي. وهي بذلك تعيد تعريف العمق العملياتي بوصفه شبكة من المجالات المتداخلة – الجوية، السيبرانية، اللوجستية – وليست مجرد مسافة من الجبهة.
أنغام حبيب





