في أفق النظام العالمي لعام 2026 لم تعد التحولات التكنولوجية مجرد متغيرات مرافقة لحركة السياسة والاقتصاد بل غدت هي البنية التحتية التي يعاد ضمنها تعريف السلطة ذاتها بحيث لم يعد السؤال يدور حول كيفية استخدام التكنولوجيا بل حول من يحدد شروط استخدامها ومن يمتلك القدرة على توجيهها وفي هذه اللحظة تحديداً يبرز مفهوم التكنوفاشية بوصفه إطاراً تفسيرياً لفهم نمط جديد من السيطرة لا يمارس عبر القهر المباشر بل عبر إعادة تشكيل البيئة الإدراكية والسلوكية للإنسان داخل فضاء خوارزمي يبدو مفتوحاً في ظاهره لكنه محكوم في بنيته إن خطورة هذا التحول لا تكمن في كونه امتداداً لنماذج استبداد تقليدية بل في كونه انتقالاً من السلطة كفعل إلى السلطة كبنية ومن الإكراه إلى إعادة هندسة الاحتمالات بحيث لا يعود الفرد مقيداً بما يُمنع بل بما يُتاح له بطريقة انتقائية ومدروسة بحيث تتحول الحرية من قدرة على الفعل إلى وظيفة داخل نظام أكبر يعيد تعريف الفعل نفسه ويعيد ترتيب نتائجه ويعيد توزيع معناه
هذا التحول يجد جذوره في تطور طويل لفهم السلطة حيث لم تعد السلطة تُختزل في الدولة أو الأجهزة القمعية بل أصبحت شبكة من العلاقات والآليات الدقيقة التي تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية وفي هذا السياق تمثل التكنوفاشية الطور الأكثر تقدماً لهذا التحول إذ تنتقل السلطة من كونها مرئية وقابلة للتحديد إلى كونها مضمرة ومشفرة داخل البنية التقنية نفسها وهو ما يجعل مقاومتها أكثر تعقيداً لأنها لا تظهر كسلطة يمكن مواجهتها بل كبيئة يتم التكيف معها ومع تراكم الثورة الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعي والمنصات الكبرى أصبحت هذه البيئة قادرة على تنظيم السلوك دون فرضه وعلى توجيه الاختيارات دون إعلان ذلك بل على إعادة تشكيل الإدراك نفسه بحيث لا يعود الفرد قادراً على إدراك حدود ما يُفرض عليه وما يختاره بحرية وهنا تتجلى أخطر نقطة تحول في تاريخ السلطة إذ لم تعد السلطة تحتاج إلى إخفاء نفسها بل أصبحت غير مرئية بحكم طبيعتها البنيوية
يُفهم مفهوم التكنوفاشية بوصفه نتاج تلاقي ثلاثة عناصر أساسية هي التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال الرقمي والسلطة السياسية حيث لا يعمل أي منها بمعزل عن الآخر بل تتكامل ضمن منظومة تنتج شكلاً جديداً من السيطرة يعتمد على البيانات بوصفها مادة خام وعلى الخوارزميات بوصفها أدوات تنظيم وعلى المنصات بوصفها فضاءً للتفاعل إن الفارق الجوهري بين هذا النمط والفاشية التاريخية يتمثل في أن الأخيرة كانت تحتاج إلى خطاب تعبوي يبرر القمع بينما الأولى تجعل القمع غير ضروري لأن البيئة نفسها قد صممت بحيث تجعل الامتثال الخيار الأسهل والأقل كلفة وهنا يظهر مفهوم توطين الامتثال بوصفه الآلية المركزية لهذا النمط حيث لا يُجبر الفرد على الطاعة بل يجد نفسه مندمجاً في نظام يجعل المخالفة مرهقة وغير مجدية بل غير مرئية أحياناً بحيث يتحول الصمت إلى نتيجة طبيعية لا إلى خيار مفروض ويتحول التكيف إلى استجابة عقلانية داخل بيئة مصممة لتقليل تكلفة الامتثال ورفع تكلفة الاختلاف
الجذور الفكرية لهذا المفهوم يمكن تتبعها في النقد الفلسفي للتقنية الذي يرى أن التكنولوجيا ليست محايدة بل تحمل في بنيتها تصورات عن الإنسان والعالم وفي نظريات المجتمع الرقمي التي تبرز كيف تتحول البيانات إلى مصدر للقوة وفي التحليل النفسي الاجتماعي كما عند إريك فروم الذي يوضح كيف أن الإنسان قد يسعى إلى التخلي عن حريته حين تصبح عبئاً وجودياً وفي هذا السياق تضاعف البيئة الرقمية من حالة القلق والعزلة وتقدم في الوقت ذاته حلولاً ظاهرية عبر الخوارزميات التي تبسط العالم وتقدم خيارات جاهزة ما يجعل الفرد أكثر استعداداً للاندماج في النظام الذي يعيد تشكيل رغباته نفسها بحيث لا تعود الرغبة تعبيراً أصيلاً عن الذات بل نتيجة تفاعل مع منظومة توصية تعمل على تعزيز أنماط معينة من السلوك وإضعاف أخرى
ومن هنا يمكن الانتقال إلى مستوى أعمق من التحليل يتعلق بالطبيعة الأنطولوجية لهذا التحول إذ لم تعد التكنوفاشية مجرد نظام سياسي أو اقتصادي بل أصبحت بيئة وجودية يُعاد ضمنها تعريف الإنسان نفسه من كائن فاعل يمتلك إرادة مستقلة إلى كائن قابل للتنبؤ والتحليل والتوجيه بحيث تتحول الذات إلى مجموعة بيانات وتتحول الهوية إلى ملف رقمي وتتحول الخبرة الإنسانية إلى أنماط قابلة للنمذجة وهنا لا يعود الصراع بين الحرية والاستبداد صراعاً سياسياً فقط بل يصبح صراعاً حول تعريف الإنسان ذاته وحول حدود ما يمكن اختزاله في معادلات خوارزمية
وعند الانتقال إلى المستوى التطبيقي يتجسد هذا النموذج بوضوح في النظام الدولي المعاصر ففي الولايات المتحدة يظهر من خلال العلاقة المتشابكة بين الدولة وشركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google وMeta وAmazon حيث لم تعد هذه الشركات مجرد فاعلين اقتصاديين بل أصبحت جزءاً من البنية التي تُدار ضمنها السياسة نفسها فالخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات تؤثر بشكل مباشر في تشكيل الرأي العام والبيانات التي تجمع تُستخدم في توجيه السلوك الانتخابي ما يعني أن الديمقراطية لم تعد تُمارس فقط عبر المؤسسات بل عبر المنصات التي تحدد ما يُرى وما يُناقش وما يُعتبر مهماً وما يُهمّش بل إن هذه المنصات أصبحت قادرة على إعادة ترتيب أولويات المجتمع بشكل غير مباشر من خلال التحكم في الانتباه وهو المورد الأكثر ندرة في العصر الرقمي
كما أن هذا النموذج يتعزز من خلال التكامل المتزايد بين الشركات التكنولوجية والمؤسسات الأمنية والعسكرية حيث لم تعد الدولة بحاجة إلى تطوير أدواتها الخاصة بل تعتمد على ما أنتجه القطاع الخاص من بنى رقمية وهو ما يؤدي إلى إعادة تعريف العلاقة بين العام والخاص بحيث يصبح من الصعب التمييز بينهما وتتحول السيادة من مفهوم سياسي إلى مفهوم تقني يعتمد على السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية
أما في الصين فإن التكنوفاشية تتخذ شكلاً أكثر مركزية ووضوحاً حيث تُدمج التكنولوجيا ضمن مشروع الدولة بشكل مباشر من خلال أنظمة التقييم الاجتماعي والمراقبة الرقمية واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المجتمع بحيث يصبح السلوك الفردي قابلاً للقياس والتصنيف ويتم ربطه بفرص الفرد في الحياة اليومية وهنا لا تُخفي السلطة نفسها بل تُعيد تقديم ذاتها كمنظومة عقلانية لإدارة المجتمع تعتمد على البيانات والكفاءة وهو ما يمنحها شرعية مختلفة تقوم على الأداء بدلاً من التمثيل السياسي
وفي أوروبا يظهر نموذج ثالث يحاول التوازن بين الابتكار والحماية من خلال تشريعات تهدف إلى الحد من هيمنة الشركات وحماية الخصوصية غير أن هذا النموذج يواجه تناقضاً بنيوياً يتمثل في اعتماده على نفس البنية التكنولوجية التي يسعى إلى تنظيمها ما يجعل قدرته على تحقيق استقلال فعلي محدودة ويكشف أن التنظيم وحده لا يكفي لمعالجة خلل بنيوي يتعلق بتركيز القوة الرقمية بل قد يتحول التنظيم نفسه إلى أداة لإضفاء الشرعية على هذا التركيز
وفي الشرق الأوسط تتخذ التكنوفاشية طابعاً هجينا يجمع بين الدولة الأمنية التقليدية والتكنولوجيا الحديثة حيث تمتد المراقبة من الفضاء المادي إلى الرقمي ويتم استخدام المنصات لتتبع النشاط وتوجيه الخطاب العام ما يعكس توسع نطاق السيطرة ليشمل ليس فقط السلوك بل الإدراك نفسه وهنا تتجلى بوضوح كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز أنماط السيطرة القائمة بدلاً من أن تقوضها خاصة في بيئات تعاني من ضعف المؤسسات الديمقراطية وغياب الشفافية
هذا الامتداد الجغرافي للنموذج يكشف أن التكنوفاشية ليست ظاهرة مرتبطة بثقافة أو نظام سياسي معين بل هي منطق سلطة عالمي يظهر أينما تلاقت التكنولوجيا مع غياب الرقابة الفعالة وهو ما يطرح تحدياً استراتيجياً عميقاً يتمثل في كيفية مواجهة نظام لا يعتمد على القمع المباشر بل على إعادة تشكيل البيئة التي ينتج ضمنها السلوك الإنساني إذ أن أدوات المقاومة التقليدية تصبح أقل فاعلية حين يتم دمجها داخل النظام وتحويلها إلى جزء من تدفقه المعلوماتي بحيث يصبح الاحتجاج محتوى والمعارضة تفاعلاً والنقد بيانات تُستخدم لتحسين النظام نفسه
وفي هذا السياق يمكن توسيع التحليل ليشمل البعد الجيواقتصادي حيث تتحول البيانات إلى مورد استراتيجي يعادل النفط في أهميته وتتنافس الدول والشركات على السيطرة عليه كما تتحول البنية التحتية الرقمية إلى ساحة صراع جيوسياسي حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول الأرض أو الموارد بل حول من يمتلك القدرة على التحكم في تدفق المعلومات وفي الخوارزميات التي تنظم هذا التدفق وهو ما يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوة على المستوى العالمي
كما يمكن إدخال البعد الأمني في هذا التحليل حيث تصبح التكنوفاشية أداة لإدارة المخاطر والتنبؤ بالتهديدات ليس فقط على المستوى العسكري بل أيضاً على المستوى الاجتماعي والسياسي بحيث تتحول المجتمعات إلى أنظمة مراقبة ذاتية قادرة على كشف الانحرافات قبل أن تتحول إلى تهديدات فعلية وهو ما يفتح الباب أمام نمط جديد من الأمن قائم على الوقاية الخوارزمية بدلاً من الردع التقليدي
وفي المستوى الاستشرافي يمكن تصور عدة مسارات محتملة لتطور هذا النموذج منها مسار التعميق حيث تستمر التكنوفاشيةفي التوسع حتى تصبح الشكل المهيمن للسلطة على المستوى العالمي ومنها مسار الانقسام حيث تتشكل كتل رقمية متنافسة لكل منها نموذجها الخاص ومنها مسار المقاومة حيث تنشأ حركات تسعى إلى بناء بدائل لامركزية تعيد توزيع القوة الرقمية
وفي هذا السياق تصبح المواجهة الحقيقية عملية إعادة بناء وليست مجرد مقاومة تتطلب إعادة التفكير في البنية التحتية الرقمية بحيث لا تكون مركزية وإعادة إدخال التكنولوجيا في النقاش السياسي بوصفها مسألة تتعلق بالقيم والسلطة وليس فقط بالكفاءة التقنية كما تتطلب بناء وعي قادر على إدراك أن ما يبدو محايداً هو في الحقيقة مشحون بالسلطة وأن الخوارزميات ليست أدوات بريئة بل آليات تنظيم وأن كل تصميم تقني يحمل في طياته قراراً سياسياً
وفي النهاية فإن التكنوفاشية لا تمثل قدراً محتوماً لكنها تمثل احتمالاً مرجحاً يتعزز مع كل تأجيل لمواجهة الأسئلة الجوهرية والسؤال الأهم لا يتعلق بكيفية عمل هذه الأنظمة بل بقدرتنا على إعادة تعريف ما نعتبره طبيعياً لأن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة ليس أن تفرض نفسها بل أن تقنع الناس بأنها ليست سلطة على الإطلاق بل بيئة طبيعية لا يمكن الخروج منها وحين تصل السلطة إلى هذه المرحلة فإنها لا تحتاج إلى الدفاع عن نفسها لأنها لم تعد تُرى أصلاً وهنا يكمن التحدي الحضاري الأعمق في هذه المرحلة ليس في مقاومة التكنولوجيا بل في استعادة القدرة على التفكير خارج حدودها وإعادة بناء تصور للإنسان لا يمكن اختزاله في بيانات ولا يمكن التنبؤ به بالكامل ولا يمكن التحكم فيه دون أن يفقد جوهره ككائن حر قادر على الفعل والتجاوز والابتكار.
م. م. أنغام عادل حبيب
كلية العلوم السياسية/ جامعة النهرين





