م.م.أنغام عادل حبيب/ جامعة النهرين
منذ أن صاغ كلاوزفيتز مفهوم ضباب الحرب، ظل هذا المبدأ حجر الزاوية في فهم القيود الإدراكية والمعرفية التي تواجه القادة العسكريين. إلا أن دخول الفضاء كساحة قتال مشتركة ومتعددة الأبعاد نقل هذا المفهوم من ميادين الأرض والبحر والجو، الى فضاء تتقاطع فيه الفيزياء المدارية مع الجغرافيا السياسية والمعلوماتية. هنا لم يعد الضباب عارضا طبيعيا يولّده الاحتكاك وفوضى القتال، بل أصبح أداة هندسية مصممة بعناية: الضباب الانتقائي.
هذا الضباب ليس اخفاءً كاملا للحقائق، بل هو عملية انتقاء دقيقة لما يُكشف وما يُحجب، إنه فن صياغة مشهد جزئي يبدو للخصم وكأنه الصورة الكاملة، بينما يخفي في ثناياه فجوات قاتلة في الإدراك. في بيئة الفضاء، حيث تدور المعركة في أطياف الرادار والمجالات الكهرومغناطيسية، يتحول هذا المفهوم الى سلاح إدراكي بالغ التأثير، قادر على شلّ قرارات العدو قبل أن تُطلق أول إشارة اشتباك.
وفي إطار القتال المشترك، تتشابك المدارية مع البرية والبحرية والجوية والسيبرانية، وهنا يصبح التحكم في الصورة الفضائية ليس مجرد مسألة استخباراتية، بل محورا لتنسيق كامل المسرح العملياتي، إذ تستخدم القوى الكبرى في ذلك أدوات متعددة:
وهنا يظهر التشابه المثير مع الحرب السيبرانية؛ فكلا المجالين يقومان على هندسة الإدراك أكثر من تدمير القدرات المادية. في الفضاء، الضباب الانتقائي قد يخفي قمر تجسس خلف مسار مداري مضلل، وفي السيبرانية، قد تُخفى برمجية خبيثة خلف واجهة بيانات طبيعية. في المدار، يتم إغراق الخصم بمعلومات عن أجسام غير مهمة لصرف انتباهه، وفي الشبكات الرقمية يتم إغراقه بتدفقات بيانات مزيفة لتشتيت قدراته التحليلية. وكما أن الهجمات السيبرانية أحيانا لا تهدف الى الاختراق المباشر، بل الى زرع الشك في سلامة البيانات، فإن الضباب الانتقائي لا يهدف دائما الى الإخفاء الكامل، بل الى جعل الخصم يشكك في حقيقة ما يراه.
تكمن خطورة هذا التشابك في أن الفضاء والسيبرانية لم يعودا مجالين منفصلين؛ فالتحكم في البيانات المدارية يمر عبر الشبكات الرقمية، ما يجعل التضليل في أحدهما قابلا للتضخيم في الآخر. ضباب المدار يمكن أن يُنسخ رقميا ليصبح ضبابا إعلاميا أو استخباراتيا، والعكس صحيح؛ فالتضليل السيبراني قد يخلق وهما عن نشاط فضائي لم يحدث قط.
إن الضباب الانتقائي في القوة الفضائية يعيد تعريف الردع والسيطرة في عصر الإدراك الموجّه. فحين يظن الخصم أنه يرى المشهد كاملا بينما هو في الحقيقة داخل مسرح صُمم له بعناية، فإنه يصبح أسير سردية الطرف الآخر، ويتخذ قراراته ضمن إطار زائف. هذه السيطرة على “نافذة الوعي” تمنح الفاعل الفضائي القدرة على التحكم في توقيت التصعيد، وحجم الرد، وحتى في مسار الأزمة برمتها.
هكذا، يتحول الضباب الانتقائي من مجرد امتداد لمفهوم كلاوزفيتز الى أداة استراتيجية معاصرة، حيث تُدار الحروب ليس فقط على خطوط النار، بل في فضاءات المدار وخيوط البيانات، ليصبح التحكم في الحقيقة نفسها هو ساحة القتال الحاسمة.





